محمد الريشهري
378
موسوعة الأحاديث الطبية
ظُلُمات ثَلاث : ظُلمَةِ البَطنِ ، وظُلمَةِ الرَّحِمِ ، وظُلمَةِ المَشيمَةِ ( 1 ) ، حَيثُ لا حِيلَةَ عِندَهُ في طَلَبِ غِذاء ، ولا دَفعِ أذىً ، ولاَ استِجلابِ مَنفَعَة ، ولا دَفعِ مَضَرَّة ؛ فَإِنَّهُ يَجري إلَيهِ مِن دَمِ الحَيضِ ما يَغذوهُ كَما يَغذُو الماءُ النَّباتَ ، فَلا يَزالُ ذلِكَ غِذاءَهُ ، حَتّى إذا كَمُلَ خَلقُهُ وَاستَحكَمَ بَدَنُهُ وقَوِيَ أديمُهُ عَلى مُباشَرَةِ الهَواءِ وبَصَرُهُ عَلى مُلاقاةِ الضِّياءِ ، هاجَ الطَّلقُ بِأُمِّهِ فَأَزعَجَهُ أشَدَّ إزعاج وأعنَفَهُ ، حَتّى يولَدَ . وإذا وُلِدَ صُرِفَ ذلِكَ الدَّمُ الَّذي كانَ يَغذوهُ مِن دَمِ أُمِّهِ إلى ثَديَيها ، فَانقَلَبَ الطَّعمُ وَاللَّونُ إلى ضَرب آخَرَ مِنَ الغِذاءِ ، وهُوَ أشَدُّ مُوافَقَةً لِلمَولودِ مِنَ الدَّمِ ، فَيُوافيهِ في وَقتِ حاجَتِهِ إلَيهِ ، فَحينَ يولَدُ قَد تَلَمَّظَ وحَرَّكَ شَفَتَيهِ طَلَباً لِلرَّضاعِ ، فَهُوَ يَجِدُ ثَديَي أُمِّهِ كَالإِداوَتَينِ ( 2 ) المُعَلَّقَتَينِ لِحاجَتِهِ ، فَلا يَزالُ يَغتَذي بِاللَّبَنِ ما دامَ رَطبَ البَدَنِ رَقيقَ الأَمعاءِ لَيِّنَ الأَعضاءِ . حَتّى إذا تَحَرَّكَ وَاحتاجَ إلى غِذاء فيهِ صَلابَةٌ لِيَشتَدَّ ويَقوى بَدَنُهُ ، طَلَعَت لَهُ الطَّواحِنُ مِنَ الأَسنانِ وَالأَضراسِ لِيَمضَغَ بِهِ الطَّعامَ ، فَيَلينَ عَلَيهِ ويَسهُلَ لَهُ إساغَتُهُ ، فَلا يَزالُ كَذلِكَ حَتّى يُدرِكَ ، فَإِذا أدرَكَ وكانَ ذَكَراً طَلَعَ الشَّعرُ في وَجهِهِ ، فَكانَ ذلِكَ عَلامَةَ الذَّكَرِ وعِزَّ الرَّجُلِ الَّذي يَخرُجُ بِهِ عَن حَدِّ الصِّبا وشَبَهِ النِّساءِ ، وإن كانَت أُنثى يَبقى وَجهُها نَقِيّاً مِنَ الشَّعرِ لِتَبقى لَهَا البَهجَةُ وَالنَّضارَةُ الَّتي تُحَرِّكُ الرِّجالَ لِما فيهِ دَوامُ النَّسلِ وبَقاؤُهُ . اِعتَبِر يا مُفَضَّلُ ، فيما يُدَبَّرُ بِهِ الإِنسانُ في هذِهِ الأَحوالِ المُختَلِفَةِ ، هَل تَرى يُمكِنُ أن يَكونَ بِالإِهمالِ ؟ !
--> 1 . المَشِيمَة : غشاء ولد الإنسان ، الكيس والغلاف ( مجمع البحرين ، ج 2 ، ص 999 ) . 2 . الإدَاوَة : إناءٌ صغير من جلد يُتّخذ للماء ( النهاية ، ج 1 ، ص 32 ) .